عبد الرحمن بن عبد السلام الصفوري الشافعي

184

نزهة المجالس ومنتخب النفائس

والمسكين في باب الصدقة . وأما فضل الفريقين فأذكر يسيرا منه قال النبي صلى اللّه عليه وسلم : « اطلعت في الجنة فرأيت أكثر أهلها الفقراء واطلعت في النار فرأيت أكثر أهلها النساء » رواه البخاري ومسلم . وفي رواية الإمام أحمد بإسناد جيد « فرأيت أكثر أهلها الأغنياء » وقال صلى اللّه عليه وسلم : « التقى مؤمنان على باب الجنة مؤمن غني ومؤمن فقير كانا في الدنيا فأدخل الفقير الجنة وحبس الغني ما شاء اللّه أن يحبس ثم أدخل الجنة فلقي الفقير فقال : يا أخي ما حبسك واللّه لقد خشيت حتى خفت عليك ؟ فقال يا أخي إني حبست بعدك حبسا فظيعا كريها ما وصلت إليك حتى سال مني من العرق ما لو ورده ألف بعير لصدرت عنه » رواه الإمام أحمد بإسناد جيد قوي . وسيأتي على هذا زيادة في مناقب النبي صلى اللّه عليه وسلم . وقال النبي صلى اللّه عليه وسلم : « اللهم أحيني مسكينا وأمتني مسكينا واحشرني في زمرة المساكين يوم القيامة » قالت عائشة : ولم يا رسول اللّه ؟ قال : « لأنهم يدخلون الجنة قبل أغنيائهم بأربعين خريفا ، يا عائشة لا تردي مسكينا ولو بشق تمرة ، يا عائشة أحبي المساكين وقربيهم فإن اللّه يقربك يوم القيامة » . رواه الترمذي . قال القرطبي : المراد بالمساكين أهل التواضع . ( موعظة ) : قال النبي صلى اللّه عليه وسلم : « ويل للأغنياء من الفقراء يقولون ربنا ظلمونا حقوقنا التي فرضت لنا فيقول : وعزتي وجلالي لأدنينكم ولأبعدنهم » . ( مسألة ) لو امتنع مستحق الزكاة من أخذها أثم بخلاف ما لو امتنع المنذور له من قبول النذر فإنه لا يأثم ، والفرق أن الناذر هو الذي ألزم نفسه بذلك بخلاف رب المال فإن الشارع صلى اللّه عليه وسلم أوجب عليه الزكاة وفي الامتناع من أخذها من تعطيل أحد أركان الإسلام نظيره يجوز الفطر لمن سافر في رمضان ولا يجوز الفطر في صيام نذره ، قال النووي في الفتاوى : ولا يجوز دفع الزكاة لمن بلغ تاركا للصلاة لأنه سفيه لا يصح قبضه بل يقبضها له وليه هذا إذا استمر تاركا للصلاة إلى حين دفع الزكاة فإن بلغ مصليا ثم تركها بعد ذلك ولم يحجر عليه جاز دفعها إليه وصح قبضه . ( فائدتان : الأولى ) : قال بعض المفسرين في قوله تعالى : وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَ لا يُنْفِقُونَها فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ يَوْمَ يُحْمى عَلَيْها فِي نارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوى بِها جِباهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ [ التوبة : 34 ] وإنما خص هذه الأعضاء بذكرها دون غيرها لأن السائل إذا جاء إلى رب المال تغير وجهه فيسأله ثانيا فينحرف بجنبه فيسأله ثالثا فيوليه ظهره . قال الإمام فخر الدين الرازي : ظاهر الآية أنهم يكوون بجميع المال لا بقدر الزكاة فقط لتعلقها بجميع المال . ( الثانية ) : أفرد اللّه الضمير في قوله تعالى : وَلا يُنْفِقُونَها فِي سَبِيلِ اللَّهِ [ التوبة : 34 ] لأن الفضة أكثر من الذهب كقوله تعالى : وَإِذا رَأَوْا تِجارَةً أَوْ لَهْواً انْفَضُّوا إِلَيْها [ الجمعة : 11 ] لأن التجارة أكثر من اللهو . وقوله تعالى : وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّها لَكَبِيرَةٌ [ البقرة : 45 ] لأن الصلاة أكثر من الصوم على تفسير مجاهد الصبر بالصوم وقيل أفرده لأن كلا منهما داخل في الآخر .